علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

150

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

فيه فتور وضعف وانكسار واستدل الشافعي على ما أسكر كثيره فقليله حرام ، مما روي عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما أسكر كثيره فقليله حرام » أخرجه الترمذي وأبو داود . عن عائشة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام » أخرجه أبو داود والنسائي . وفي رواية له « والحسوة منه حرام » الفرق بالتحريك مكيال يسع تسعة عشر رطلا بالبغدادي ، وأجيب عن حديث عمر في الطلاء بأنه معارض بما روي عن السائب يزيد أن عمر قال : وجدت من فلان ريح شراب وزعم أنه شرب الطلاق وأنا سائل عنه فإن كان يسكر جلدته فسأل عنه فقيل له : إنه يسكر فجلده عمر الحد تاما أخرجه مالك في الموطأ . وأما حديث ابن عباس ، فموقوف عليه ومعارض بما روي عنه في الباذق ، وقوله : والسكر من كل شراب قد رواه الحفاظ السكر بفتح السين . قال صاحب الغريبين : السكر خمر الأعاجم ، ويقال لما يسكر السكر وروى هذا الحديث ابن حنبل وقال فيه : والمسكر من كل شراب ، وقال موسى بن هارون : وهو الصواب ، وأما حديث أبي الأحوص ففيه وهمان : أحدهما في سنده حيث قال : عن أبي بردة ، وإنما يرويه سماك عن القاسم عن ابن بريدة عن أبيه والوهم الثاني في متنه حيث قال : اشربوا ولا تسكروا ، وإنما يرويه الناس ولا تشربوا مسكرا ، ويدل على صحة هذا ما روى مسلم في صحيحه عن محارب بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا » وقال النسائي : في حديث أبي الأحوص هذا حديث منكر غلط فيه أبو الأحوص سلام بن سليم لا يعلم أن أحدا تابعه عليه من أصحاب سماك ، وأما حديث عائشة فيه فهو غير ثابت كما تقدم في قول النسائي . المسألة الثانية : في الحكم بنجاسة الخمر . الخمر وما يلحق بها نجسة العين ويدل على نجاستها قوله تعالى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ والرجس في اللغة النجس والشيء المستقذر وقوله تعالى : فَاجْتَنِبُوهُ فأمر باجتنابها فكانت نجسة العين ويدل على نجاستها أيضا أنها محرمة التناول لا للاحترام ، ولأن الناس مشغوفون بها فينبغي أن يحكم بنجاستها تأكيدا للزجر عنها . المسألة الثالثة : في تحريم بيعها والانتفاع بها . أجمعت الأمة على تحريم بيع الخمر والانتفاع بها وتحريم ثمنها ويدل على ذلك ما روي عن جابر قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول عام فتح مكة : « إن اللّه تعالى حرم بيع الخمر والانتفاع بها والميتة والخنزير والأصنام » أخرجاه في الصحيحين مع زيادة اللفظ ( ق ) . عن عائشة قالت خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « حرمت التجارة في الخمر » ( ق ) عن ابن عباس قال بلغ عمر بن الخطاب أن فلانا باع خمرا فقال قاتل اللّه فلانا ألم يعلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها » عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من باع الخمر فليشقص الخنازير » أخرجه أبو داود . وقوله فليشقص الخنازير أي فليقطعها قطعا قطعا كما تقطع الشاة للبيع والمعنى من استحل بيع الخمر فليستحل بيع الخنازير فإنهما في التحريم سواء . عن أبي طلحة قال يا نبي اللّه إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري . فقال : أهرق الخمر واكسر الدنان أخرجه الترمذي . وقال وقد روي عن أنس إن أبا طلحة كان عنده خمر لأيتام وهو أصح . فإن قلت فما وجه قوله تعالى : وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ قلت : منافعها اللذة التي توجد عند شربها والفرح والطرب معها وما كانوا يصيبون من الربح في ثمنها ، وذلك قبل التحريم فلما حرمت الخمر حرم ذلك كله . ( فصل ) وأما الميسر فهو القمار واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال بسهولة من غير تعب ، وكذا قال ابن عباس كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله فأنزل اللّه هذه الآية . وأصل الميسر أن أهل الثروة من العرب في الجاهلية كانوا يشترون جزورا فينحرونها ويجزئونها ثمانية وعشرين